غزو بولندا

 

لعل الأزمة التي نشبت بين ألمانيا النازية وبولونيا والمضاعفات التى رافقتها أن تكون نقطة اللارجوع في سير الأحداث نحو الحرب .

كان هتلر يسعى إلى تحقيق الوحدة الألمانية ولذلك فإنه بادر إلى التفكير في ضم الممر البولوني ومدينة دانتزيغ الحرة ليصل بروسيا الشرقية الألمانية بالوطن الأم وليضم سكان دانتزيغ وهم من الألمان في كثرتهم الساحقة إلى بقية الشعب الألماني .

ولوحظ أن بولونيا قد حاولت بعد الحرب العالمية الأولى وبعد أن أعطيت حق الإشراف على مدينة دانتزيغ الحرة ، وعقد اتحاد جمركي معها يعطيها منفذًا إلى بحر البلطيق ثم أعطيت الممر البولوني ، لقد لوحظ أن بولونيا هذه المؤلفة من 35 مليونًا من السكان قد حاولت التقرب من جارتيها الكبيرتين روسيا وألمانيا كما حاولت التقرب من فرنسا وبريطانيا .

وعندما نقضت ألمانيا النازية ميثاق عدم الاعتداء مع بولونيا الذي سبق أن وقعته الدولتان عام 1934 ، أصبحت بولونيا في وضع لا تحسد عليه . لقد أصبحت مرغمة على الاستعداد لمواجهة خطر المستقبل لاسيما وأن كل شيء كان يدل على ان هتلر ليس بالرجل الذي يتردد في تنفيذ أغراضه وأطماحه .

 

دانتزيغ

ما هي مدينة دانتزيغ ؟ ولماذا انفجرت مشكلتها بهذا الشكل الحاد الذي عرف لها عام 1939 ؟ الواقع أن دانتزيغ هي مدينة ألمانية . إذا نظرنا إليها من ناحية السكان فأكثريتهم تستعمل اللغة الألمانية وتنتمي إلى أصول ألمانية . ولكنها، أي المدينة ، لم تكن ألمانية دائمًا بل أصبحت كذلك بمرور الزمن نتيجة لتنفيذ خطة الاندفاع نحو الشرق التي هي القاعدة القديمة للسياسة الألمانية . أما من النواحي الاقتصادية والعسكرية والجغرافية فإن دانتزيغ ضرورة لازمة لبولونيا لا يمكنها الاستغناء عنها خوفًا من الاختناق . إنها باستثناء "جدينيا" المنفذ البولوني الوحيد إلى بحر البلطيق .

أما الألمان أنفسهم فلم يكونوا يجدون لدانتزيغ هذه القيمة الاقتصادية الكبيرة . كل ما كانوا يفكرون فيه هو الاستيلاء عليها لفصل بولونيا عن بحر البلطيق ثم تدخل بولونيا في نطاق الحماية الألمانية . هكذا يبدو أن الفوز بدانتزيغ هو وسيلة ألمانية لتحقيق أغراض توسعية وحسب ، بينما هو من وجهة النظر البولونية خطر داهم على بولونيا كلها .

 

اتفاقية روسيا وألمانيا

هذه الاتفاقية لم تترك حرية العمل لهتلر وحده بل سمحت لستالين بتوسيع حدود بلاده والسيطرة على جانب كبير من بولونيا والدول البلطيقية الثلاث ليتوانيا لاستونيا ولاتفيا . كان ستالين يرى أن طريق الشيوعية إلى النصر لا يفتح نهائيًا ما لم تقع الواقعة بين ألمانيا النازية ودول الغرب ولذلك فإنه لم يتردد في استدراج هتلر إلى الحرب وفي التعهد بتزويده بكل ما يحتاج إليه من المواد الأولية والبترول والحبوب على أمل أن يبدأ نزاع الرأسماليين حتى ينهك بعضهم البعض الآخر، ولم يبخل ستالين على ألمانيا بما عنده حتى أنه كان يقدم المواد الأولية إلى ألمانيا بكميات أكبر من أن تحتمل روسيا حرمان نفسها منها .

وعندما انفجرت الحرب البولونية الألمانية لم يتردد السوفيات في اقتطاع حصتهم من الكعكة التي أعدها النازيون وخبزوها فقاسموهم انتصارهم وظفروا بما اتفقوا معهم على أخذه من الغنائم والأسلاب .

 

وأخيرًا وقع ما كان يتخوف العالم منه . لقد انطلقت قوات هتلر صباح اليوم الأول من أيلول سنة 1939 ترسل قنابلهما وتملأ سماء بولونيا بطائراتها المطاردة والقاذفة

ولم يمض يومان على بدأ المعركة حتى كانت يد الفناء والتهديم قد اكتسحت الكثرة الساحقة من الطائرات البولونية . إن ألوفًا من الطائرات النازية قد قامت بهجومها المفاجئ في موجات متعاقبة وفي نظام دقيق فأمطرت المراكز الحساسة والمواقع العسكرية ولا سيما المطارات منها بعشرات الألوف من القنابل الكبيرة والصغيرة . وقد استطاعت الطائرات النازية أن تحطم الطيران البولوني كله من الناحية العملية . وعندما تابعت القوات الألمانية المدرعة انطلاقتها الهجومية كانت واثقة من أن بولونيا قد فقدت سلاحها الجوي بصورة نهائية .

ولكي ندرك الفروق الشاسعة بين القوات الألمانية وقوات البولونيين يجمب أن نذكر بأن ألمانيا قد وضعت على الجبهة البولونية 4000 طائرة من أحدث طراز بينما كانت بولونيا تملك 1000 طائرة من طراز قديم .

كما يجب أن نذكر أيضًا بأن ألمانيا النازية ، قد وضعت على الحدود البولونية 15 فرقة مدرعة ومزودة بأحدث أنواع الأسلحة وأقواها مقابل فرقة واحدة ذات تسليح عادي . ويجب أن نذكر أخيرًا بأن ألمانيا النازية قد وضعت على الحدود فرقة من المشاة والفرق الآلية مقابل 35 فرقة بولونية لا تكاد تملك نصف أسلحة الفرق الألمانية .

وفي اليوم الثالث من أيلول قررت إنكلترا إعلان الحرب .

 

وعندما مر الأسبوع الثاني كان كل شيء قد انتهى . وعندما تقدم الجيش الروسي ليحتل المساحة المتفق عليها من الأرض البولونية في اتفاقية سابقة كان الجيش الألماني يحارب فلولاً من البولونيين لا قوات عسكرية منظمة .

 

ولاخلاف بين الخبراء في أن الخطة العسكرية الألمانية التي نفذت في المعركة البولونية كانت من التنظيم والبراعة والدقة في المكان الأول . والمعروف أن القيادة الألمانية قد خصصت ثلاثة جيوش للزحف على العاصمة فارسوفيا . الجيش الأول ينقض من بروسيا الشرقية والثاني والثالث من الحدود الألمانية الشرقية بقيادة الجنرال فون رانستد .

وكان من ثقة الألمان بأنفسهم أنهم كانوا ينقلون جنودهم من مكان لآخر دون أية تغطية جوية لعلمهم بأن الهجمات الأولى التي قاموا بها قد أبادت القوات البولونية . ويذكر أحد الصحفيين الأميركيين الذين رافقوا الحملة الألمانية بأن سيطرة الألمان كانت من الشدة بحيث أنهم بعد أن احتلوا مدينة لودز قد تركوا أنوارها مضاءة في الليل ، رغم أن البولونيين كانوا على أميال قليلة منها . ويضيف النقاد العسكريون قولهم : "إن الجيش البولوني قد حارب الألمان بخطط خليقة بجيوش القرن الثامن عشر. فبينما كانت القوات الألمانية الزاحفة تتحرك بدقة الساعة دونما سرعة زائدة أو بطء شديد وبطريقة معتدلة تنتقل بها مئات الألوف من الجنود وآلاف الدبابات والسيارات المصفحة وتتوزع في أنحاء الأرض البولونية وكأنما هي في استعراض عسكري كبير، ثم تلحق بها فرق المؤونة والأغذية دقيقة منظمة وتتقدمها فرق الهندسة لإصلاح الجسور والطرق التي يكون المراجعون قد هدموها أو الطائرات الألمانية المغيرة قد أمطرتها بقنابلها بينما كل هذا يحدث في الجانب النازي كان البولونيون يعيشون في صميم الرعب القاتل فلا يدرون كيف تأتيهم الطعنات من كل جانب .

وفي الثامن من شهر أيلول كان فون رانستد قد وصل إلى أ بواب العاصمة البولونية وبدأت مدافعه تدك خطوطها الدفاعية الخارجية .

 

يبقى أن نتحدث قليلاً عن الجيش النازي الذي خرج من بروسيا الشرقية . فقد اقتحم الحدود البولونية في اليوم الأول وهاجم الحصون القائمة على نهر "نارو" في "توغرود" . وقد تابع زحفه ليستولي على حصن "غرودنز" ، وارتد إلى الشرق مرة أخرى باتجاه نهر "نارو" ومواقعه المحصنة .

كان ذلك في السابع من أيلول وقد عجز النازيون عن اجتياز النهر . لأن نيران البولونيين عادت تحصد الكتائب التي تجتاز النهر حصدًا . وهنا قدم الألمان مدافعهم الكبيرة والبعيدة المدى وأخذوا يقصفون مواقع البولونيين دون شفقة أو رحمة فلا يبالون أين تقع القنابل . أشعلوا النار في كل شيء حتى أن الأرض قد قلبت وكأنما مرت بها سكة حراثة عملاقة وفي هذه الأثناء تمكنت قوة نازية من اجتياز النهر تغطيها المدفعية . وراحت تهاجم المراكز القليلة الباقية بالقنابل اليدوية والنيران المحرقة . وفي مساء اليوم العاشر في أيلول كان الخط الدفاعي الذي يفتخر به البولونيون ويعرفونه باسم "نارو" قد أصبح أثرًا بعد عين .

 

معلومات سريعة :

* لعل بولندا هي أكثر الدول التي عانى مواطنوها من الحرب العالمية الثانية، فقد مات منهم أكثر من 6 ملايين شخص أي قرابة 18% من سكانها. يقال بأن 50% منهم كانوا يهوداً.

* أول إطلاق نار في الحرب العالمية الثانية حدث في الأول من سبتمبر 1939 في الساعة الرابعة وأربعين دقيقة عندما قامت السفينة الألمانية شيلسي ويج باطلاق قذائفها على ميناء دانزيغ.

 

الصفحة الرئيسية